استمع الينا على مدار الساعة


اليمن بين المخزون الاستراتيجي والركود الحاد: هل تواجه الأسواق أزمة غذائية وشيكة؟

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 03:39 ص بتوقيت اليمن

في ظل تصاعد التوترات والحروب في المنطقة وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، يبرز في اليمن تضارب واضح بين ما تؤكده السلطات الحكومية بشأن توفر مخزون استراتيجي من السلع، وبين مؤشرات الركود الحاد الذي يضرب الأسواق في معظم مناطق البلاد. ويعتمد اليمن بشكل شبه كامل على الواردات الغذائية، ما يجعل أي اضطراب في التجارة العالمية أو النقل البحري تهديداً مباشراً للأمن الغذائي.

ورصدت "العربي الجديد" حالة ركود واضحة في الأسواق، خصوصاً في صنعاء وعدد من المدن اليمنية، رغم حلول مواسم تجارية مهمة مثل شهر رمضان. ويعكس هذا الركود تدهوراً واسعاً في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إذ تراجعت حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ نتيجة تآكل القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين.

وبحسب استطلاع أجرته "العربي الجديد" شمل عيّنة من المواطنين في عدة محافظات، بينهم نحو 40% من سكان صنعاء، و20% من عدن، و10% من تعز، مع توزيع النسبة المتبقية على محافظات الحديدة وإب وأبين، تبين أنّ نحو 60% من الأسر اليمنية تراجعت قدرتها الشرائية إلى مستويات قريبة من الانهيار، بينما انخفضت إلى النصف لدى نحو 25% من الأسر، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي لا تزال تحتفظ بقدرة شرائية مقبولة 15% فقط.

اقتصاد هش

ويقول الخبير الاقتصادي عيسى أبو حليقة، مستشار تطوير الأعمال والتنمية الاقتصادية المستدامة، إنّ معظم اليمنيين يعيشون أوضاعاً اقتصادية هشة منذ اندلاع الحرب في عام 2015. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن ما يقرب من 80% من السكان يعانون ضعفاً شديداً في القدرة الشرائية نتيجة الاعتماد على الرواتب الحكومية المحدودة وتراجع نشاط القطاع الخاص، فضلاً عن إغلاق العديد من المصانع والشركات وتسريح آلاف العاملين.

ورصدت "العربي الجديد" إقدام نسبة كبيرة من اليمنيين على خفض استهلاكهم الكافي من الغذاء، فيما أعادت غالبية الأسر برمجة استهلاكها اليومي بتقنين الوجبات وتقليص حجم المتطلبات والاحتياجات المعيشية اليومية وكمياتها، باللجوء إلى الشراء المحدود للسلعة بما يكفي لإعداد وجبة أو وجبتين في اليوم.

ويقول المواطن حازم عبد الله، من سكان صنعاء، إن تقليص الشراء والاستهلاك وصل إلى أدنى مستوى، فمثلاً وصل الأمر إلى شراء نصف كيلوغرام من الأرز أو السكر، بعدما كان تقليصهما قد وصل إلى ذروته من شراء نصف كيس (25 كيلوغراماً) إلى كيلوغرام، والآن نصف كيلو. من جانبه، يؤكد المواطن نجيب سالم أن انخفاض القدرة الشرائية وصل إلى سلع مثل زيوت الطعام، حيث باتت المتاجر والبقالات تبيعها بالتجزئة وبأي مبلغ لدى المستهلك. وهناك من يشتري حاجته لوجبة الغداء بنحو 200 ريال، بينما قُنِّن استهلاك الخضراوات والبقوليات، وتوقف عن شراء كثير من السلع التي لا تعتبر ضرورية يومياً.

وتسببت الضغوط الاقتصادية المتزايدة في اليمن بانخفاض دخل نحو أكثر من 65% من الأسر اليمنية، وتعرض حوالي 60% منها لصدمات أثرت على الدخل وإنتاج الغذاء، وسط تهاوي في القدرة الشرائية بشكل كبير، بحسب تقرير صادر نهاية عام 2025 عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو". وأشار التقرير إلى أن القدرة الشرائية للأسر اليمنية ضعفت إلى أدنى مستوى نتيجة انخفاض الدخل، وتقلص فرص العمل والتوظيف، ومحدودية الوصول إلى المساعدات المنتظمة. ونتيجة لذلك، تشهد معظم المناطق انخفاضاً حاداً في التنوع الغذائي، حيث حددت الأسر خسائر الدخل والتوظيف على أنها الصدمة الرئيسية المستمرة التي تواجهها، وذلك مع اشتعال الأوضاع في المنطقة بسبب الحرب على إيران، والتي ستكون تبعاتها صادمة بالنسبة لدول مثل اليمن التي تعتمد كلياً على الاستيراد، وتواجه أزمات مالية واقتصادية حادة وارتفاعاً في نسب الفقر والبطالة.

الحرب تهدد الإمدادات

ويؤكد المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي أن الحرب المشتعلة في المنطقة ستؤثر بشكل كبير على سلاسل الإمداد العالمية، حيث ظهر التأثير منذ الأيام الأولى من الحرب إثر رفع شركات التأمين العالمية لرسوم تأمين سفن الشحن البحري في منطقة الصراع والدول الداخلة في الحرب، وفرض رسوم مخاطر الحرب على الشحن للشرق الأوسط. كما أصدرت شركات الشحن العالمية تحديثات تواكب الرسوم الطارئة لشركات التأمين وجمّدت خطوط شحن إلى منطقة الصراع، وخاصة دول الخليج، وأوقفت نقل مواد وسلع ذات صلاحية قصيرة خشية تلفها وتحمل تكاليفها.

ويشير الشرعبي إلى أن اليمن ليست استثناءً من هذا الانعكاس، بل قد يكون التأثير فيها مماثلاً لما يحصل في الدول الواقعة في دائرة الحرب. وبالرغم من هدوء الأوضاع فيها مقارنة بما يحدث في المنطقة، فإن امتداد النزاعات الإقليمية يزيد المخاطر على استقرار الأسواق.

جدل حول المخزون السلعي

وسارعت وزارة الصناعة والتجارة في الحكومة المعترف بها دولياً بعد اندلاع الحرب في إيران إلى الإعلان عن توفر مخزون استراتيجي من القمح والدقيق يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر، مع إمدادات تغطي احتياجات السوق المحلي حتى ستة أشهر، بما يعزز صمود الأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

غير أن الخبير الاقتصادي أبو حليقة يشكك في وجود مخزون استراتيجي حقيقي لدى الحكومة، مشيراً إلى أن المخزون المتوفر لدى التجار قد يكفي لمدة شهر فقط لا أكثر، لافتاً إلى عدم وجود إنتاج محلي من الحبوب والقمح، واعتماد البلاد بالكامل على الواردات، التي قد تتأثر بشكل كبير بسبب ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين.

وعزز اجتماع لجنة إدارة الأزمات المنعقد في 4 مارس/آذار من مدة المخزون التي كشفت عنها وزارة الصناعة والتجارة، مؤكداً وجود مؤشرات مطمئنة حول أداء المالية العامة، وموقف الاحتياطات الخارجية، والمخزون السلعي الذي يُعتقد أنه يكفي من 4 إلى 6 أشهر، بفضل التدخلات الاقتصادية والتمويلية من المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، يرى الشرعبي أن هذا المخزون لا يرقى إلى المخزون الاستراتيجي، بل هو مؤقت وزمني محدود.

تفاقم الأوضاع المعيشية

يقول المواطن عرفات الشرجبي من صنعاء إن الحياة ضاقت كثيراً منذ العام الماضي ومطلع العام الحالي، حيث انعدمت فرص العمل التي كانت متاحة ولو بشكل محدود. وأكد المواطن سمير عامر من محافظة عمران أن كثيراً من الأسر لجأت إلى الزراعة لتوفير مصادر غذاء إضافية.

وأفاد مواطنون في عدن وتعز ومناطق أخرى ضمن نطاق الحكومة المعترف بها دولياً بأن توقف صرف الرواتب، التي تمثل المصدر الوحيد للكثير منهم، أثر على معيشتهم بشكل كبير. وذكر مجيب جلال، موظف مدني في عدن، أن راتبه الحكومي البالغ 70 ألف ريال (40 دولاراً بسعر الصرف في عدن) لم يُصرف طوال الأشهر الماضية، مما دفعه لتقليص الاستهلاك.

وتؤكد الحكومة المعترف بها دولياً أنها ستولي اهتماماً بكبح التضخم واحتواء تآكل القوة الشرائية، وشددت في أول اجتماع لها على أولوية انتظام صرف رواتب موظفي الدولة، وتحسين الخدمات الأساسية، واستقرار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ودعم استقلالية البنك المركزي، وضمان استقرار العملة الوطنية والأسعار، وحماية المستهلك وتعزيز ثقة المواطنين بالسياسات الاقتصادية