استمع الينا على مدار الساعة


من المليار إلى الصفر.. قصة "تصفير" عوائد النفط اليمني: تقرير تحليلي يرصد مؤشرات الاقتصاد بين الاستقرار الهش والتحديات الهيكلية

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 04:01 م بتوقيت اليمن

مجلة الاستثمار



من منبع الـ 1.14 مليار دولار المتدفقة في عام 2021، هوت الأرقام إلى (صفر) نتيجة توقف الموانئ التصديرية واستهدافها المباشر منذ أواخر عام 2022. هذا التصفير الكامل لصادرات النفط والوقود جرد البلاد من إيراداتها وعملتها الصعبة، واضعاً المشهد تحت مقصلة "الاستقرار الهش للغاية"، لتتداخل الأزمات وتخنق الهياكل المالية والقدرة المعيشية للمواطنين. هذا التشخيص الرقمي وثقته مؤخراً تقارير دولية بالغة الأهمية؛ أبرزها �المرصد الاقتصادي لليمن� الصادر عن البنك الدولي، وتقرير �مشاورات المادة الرابعة� لصندوق النقد الدولي، والذي يمثل أول حضور للصندوق بعد انقطاع دام 11 عاماً.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يستمر الركود مع انكماش الناتج المحلي الحقيقي للسنة الثالثة على التوالي في 2025، وسط توقعات ببقاء مؤشر النمو في المنطقة السالبة لعام 2026 الحالي عند -0.7\%، قبل بدء تعافٍ تدريجي مشروط لاحقاً في عام 2027 بنسبة لا تتجاوز 0.5%. وقد أدى شلل التصدير هذا إلى تقليص الاحتياطيات الخارجية؛ إذ بات الرصيد المتبقي لدى البنك المركزي في عدن (نحو 1.2 مليار دولار) حرجاً ولا يغطي سوى شهر واحد فقط من الاستيراد. ورغم تراجع عجز الحساب الجاري رقمياً إلى 14.7\% من الناتج لعام 2025، إلا أنه يعود قسراً لانكماش الأسواق واستيراد كميات أقل من السلع، لا لتحسن حركة التصدير.
وفي عمق هذه الأزمة، يفرض انقسام السياسات واقع "العملة ذات السعرين"؛ فبينما يواصل الريال استقراره الأفقي المفروض في صنعاء عند حدود 535 ريالاً للدولار، تعافى نسبياً في عدن ليستقر عند مستويات 1,600 ريال بفضل التدخلات النقدية والدعم الإقليمي في أغسطس 2025، بعد أن تجاوز حاجز 2,900 ريال في فترة سابقة. ومع ذلك، لم يفلح هذا الاستقرار النسبي في كبح الأعباء المعيشية؛ إذ يلتهم التضخم القدرة الشرائية إثر قفزة كلفة سلة الغذاء الأساسية بنسبة 26\% خلال منتصف عام 2025. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ التضخم ذروته بنسبة تناهز 26.5\% خلال عام 2026 الجاري قبل أن ينخفض تدريجياً. وتكتمل التحديات بتراجع دراماتيكي في المساعدات؛ إذ انخفض تمويل خطة الاستجابة الأممية من 55.5% في 2024 إلى 29\% فقط في عام 2025، مما ترك نحو 57\% من الأسر في مواجهة مباشرة مع نقص الغذاء الحاد وانعدام الأمن الغذائي.
تؤكد هذه المعطيات أن التدخلات النقدية المؤقتة والحلول الترقيعية لم تعد كافية؛ فبينما يمنح الدعم الخارجي استقراراً جزئياً لسعر الصرف، تظل مفاصل الاقتصاد الحقيقية (النمو، الاحتياطيات، وعوائد التصدير) معطلة جراء غياب الحل الشامل. إن انتشال الوضع يتطلب انتقالاً حتمياً نحو "التنمية الهيكلية العاجلة"؛ ويبدأ ذلك بإنهاء الشلل المفروض على منشآت النفط وإعادة التصدير كأولوية لإنقاذ الموارد السيادية، وتوحيد السياسات النقدية والمصرفية لإنهاء معضلة انقسام العملة وحماية الأسواق، بالإضافة إلى إشراك القطاع الخاص المحلي وتقديم تسهيلات حقيقية لرواد الأعمال لقيادة الإنتاج الوطني كبديل استراتيجي ومستدام للاستيراد.
#مجلة_الاستثمار #الاقتصاد_اليمني #صندوق_النقد_الدولي #البنك_الدولي #أسعار_الصرف #الريال_اليمني #قطاع_الأعمال #النفط_اليمني #التنمية_المستدامة #صنعاء #عدن #رواد_الأعمال